فخر الدين الرازي
717
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
له من جنسه وثالثها : القسورة : ركز الناس وأصواتهم ورابعها : أنها ظلمة الليل . قال صاحب « الكشاف » : وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، واطرادها في العدو إذا خافت من شيء . ثم قال تعالى : [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 52 ] بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ( 52 ) أنهم قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه من رب العالمين إلى فلان بن فلان ، ونؤمر فيه باتباعك ، ونظيره لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [ الإسراء : 93 ] وقال : وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ [ الأنعام : 7 ] وقيل : إن كان محمد صادقا فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة من النار ، وقيل : كانوا يقولون بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوبا على رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك ، وهذا من الصحف المنشرة بمعزل ، إلا أن يراد بالصحف المنشرة ، الكتابات الظاهرة المكشوفة ، وقرأ سعيد بن جبير صُحُفاً مُنَشَّرَةً بتخفيفهما على أن أنشر الصحف ونشرها واحد ، كأنزله ونزله . ثم قال تعالى : [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 53 ] كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ ( 53 ) كَلَّا وهو ردع لهم عن تلك الإرادة ، وزجر عن اقتراح الآيات . ثم قال تعالى : بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ فلذلك أعرضوا عن التأمل ، فإنه لما حصلت المعجزات الكثيرة ، كفت في الدلالة على صحة النبوة فطلب الزيادة يكون من باب التعنت . [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 54 إلى 55 ] كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) ثم قال تعالى : كَلَّا وهو ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة . ثم قال تعالى : إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ يعني تذكرة بليغة كافية فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ أي جعله نصب عينه ، فإن نفع ذلك راجع إليه ، والضمير في إِنَّهُ و ذَكَرَهُ للتذكرة في قوله : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [ المدثر : 49 ] وإنما ذكر [ ت ] لأنها في معنى الذكر أو القرآن . [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 56 ] وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( 56 ) وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . قالت المعتزلة : يعني إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه والجواب : أنه تعالى نفى الذكر مطلقا ، واستثنى عنه حال المشيئة المطلقة ، فيلزم أنه متى حصلت المشيئة أن يحصل الذكر فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصل المشيئة ، وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهرية ترك للظاهر ، وقرئ يذكرون بالياء والتاء مخففا ومشددا .